فذلكة تاريخية مقالة عن اسباب سقوط مملكة مروي

فذلكة تاريخية مقالة عن اسباب سقوط مملكة مروي

مقالة تاريخية عن سقوط مملكة مروي( 300 ق.م و350م ) نهاية حضارة عظيمة بقلم : بروفيسور امتياز سيداحمد العقيد استاذ التاريخ الحديث والمعاصر جامعة النيلين / كلية الاداب/ قسم التاريخ • في الواقع بالنسبة لي ولاي دارس لتاريخ السودان القديم بالرغم مما اعتوره من محاولات ممنهجة لاخفائه وطمس معالمه اؤكد لكم في هذه المقالة الموجزة على ان مروي لم تكن مجرد مملكة ككل المالك التي قامت ثم دالت على ضفاف النيل فحسب ، بل كانت تجسد عالمًا كاملًا متميزا ومتفرداً من العطاء والازدهار ، والتنمية والتطور، والإبداع والصلابة ،والخيال الإنساني الخصب. فقد كانت اول مدينة او بالاحرى مملكة صنعت الحديد، وشكلته وصهرته ، ونحتت الحجر على غرار اسلافها من اهل السودان ، وشيّدت الأهرامات، وابتكرت لغة خاصة بها. ومع ذلك، وكما يحدث في مسار الحضارات كلها على مر الزمان ، فقد وصلت مروي إلى لحظة بدا فيها التاريخ وكأنه يطوي صفحة طويلة من المجد. لهذه المملكة العظيمة .و بدأ الضوء الحضاري في اركان هذه المملكة يخفت رويداً رويداً كالشمس الايلة الى الغروب او الاختفاء عن الانظار. حيث نلاحظ انه في القرون الأخيرة من عمر هذه المملكة العظيمة ذات المساهمة الحضارية الواسعة والمتنوعة، لم يكن السقوط بالنسبة لها حدثًا مفاجئًا، من غير مقدمات بل كان أشبه بانطفاء نور تدريجي او غروب شمس تدريجيا ً. ولعل من العوامل الطبيعية التي ادت الى سقوط هذه المملكة العظيمة ان الناس في ظل هذه الحضارة الوارفة الظلال لاحظوا تغيّر النيل انحساراً، واجدبت الأرض التي أمست أقل عطاء وسخاء نتيجة اجهادها لقرون مضت ، ولانحسار مياه النيل وانقطاع الامطارعنها ، ومن ثم فان الحقول لم تعد تلك الحقول التي تجود بعطائها كما كانت ابان ازدهار هذه المملكة العظيمة كما كانت من ذي قبل . ومن المعلوم لدى المؤرخين حين يدب الضعف دبيب النمل الى جسد اي مملكة او نظام سياسي فان الاطراف تبدأ في التململ والتمرد والخروج على السلطة المركزية , وهذا ما حدث بالضبط حذو النعل بالنعل في مملكة مروي حيث نلاحظ ان المدن البعيدة بدأت تتصرف باستقلال أكبر عن السلطة المركزية ، وعلى الجانب الاخر فان السلطة المركزية في مروي لم تعد قادرة على الإمساك بكل الخيوط كما كانت في فترات قوتها وفرض هيبتها وبسط سلطانها . وبدأ المرويون يشعرون بأن شيئًا ما بدأ يتغيّر، لكنهم لم يدركوا او يتخيلوا أن هذا التغيّر سيقود إلى نهاية عصر كامل. وبزوغ فجر جديد لامة اخرى تحل محلهم وتزيحهم من المسرح السياسي  المملكة تواجه تهديدا قادما من الشمال باندفاع • خلال تلك الفترة، ظهرت في الافق مجموعات نوبية جديدة — النوباتيون — كانت تتحرك بثقة وقوة . فهذه المجموعات في الحقيقة لم يكونوا مجرد قبائل مهاجرة، فاقدة البوصلة والرؤية والرسالة والاهداف . بل كانت مجموعات تشكل قوة سياسية وعسكرية صاعدة ذات رسالة ووضوح رؤية ، وتتحرك باستراتيجية وبتخطيط ، ودافعها انها كانت باحثة عن موطئ قدم في وادي النيل. بدات هذه المجموعات مشوارها بغارات متقطعة ، ثم توسعت هذه الغارات والهجمات المتواصلة على انحاء مملكة مروي التي بدأ الضعف اليها يدب اليها رويدا رويدا. ومع ضعف المملكة الداخلي، أمست هذه الهجمات أكثر تأثيرًا عليها واضحت تفت في عضدها شيئاً فشيئاً. الى ان بلغت هذه الغارات ذروتها حين كانت كانت الضربة القاضية على يد هذه القوى الفتية الصاعدة التي وجدت على ارض الواقع ان مملكة مروي بالفعل كانت مملكة عظيمة لكنها بمرور الاحداث وتوالى النكبات المختلفة اضحكت منهكة.  ضعف الاقتصاد وتدهوره في اواخر ايام المملكة • كانت مملكة مروي في فترات ازدهارها وقوتها وامجادها تعتمد بدرجة عالية على التجارة مع العالم المتوسطي، وعلى رأسه روما. مما ادى الى ازدهار اقتصادها وقوتها وتطورها. ومعلوم ان الاقتصاد هو عصب قوة الدول والشعوب. وما ان بدأت الإمبراطورية الرومانية نفسها يدب اليها الضعف ، وامست تتراجع قوتها العسكرية والمادية القهقرى الى الانحدار، انخفض طلبها على الحديد المروي، ومن ثم تراجعت القوافل الغادية والرائحة بين القوتين المروية والرومانية، وبدأت خزائن المملكة المروية تفقد بريقها وثراءها . واصاب الحياة الاقتصادية المروية التي كانت مصدر قوة الدولة وازدهارها نوع من الكساد الاقتصادي والتدهور، وبناء عليه فقد أصبح الاقتصاد بدلا عن ان يجسد مظهر قوة وازدهار اضحى يشكل عبئًا عليها لا تستطيع الدولة حمله.  التغيرات البيئية واثرها في اضعاف المملكة • تشير الدراسات الحديثة إلى أن هذه المنطقة شهدت تحولات مناخية واضحة. اثرت على مجرى الحياة السياسية والاقتصالدية والاجتماعية على حد سواء في مملكة مروي . تمثلت تلك التغيرات او التحولات المناخية في شح الامطار وانكماش المراعي ومن ثم اضحت الزراعة اكثر صعوبة ومشقة من ذي قبل . بلا شك ان هذه التغيرات لم تكن مجرد أرقام يشار اليها اشارة عابرة في دراسة علمية مجردة ، بل كانت واقعًا يعيشه الناس يوميًا الامر زاد من معاناتهم . فهناك مزارع اصابها الجدب، ومواش امست تموت بالجملة نتيجة التصحر ، وباتت هناك قرى يهجرها ساكنوها يبحثون عن مصادر معاش تسد الرمق وتبقي على حياتهم من الانقراض. ومن المعلوم ضرورة ان الدولة قوامها مواطنوها. فاضحت البلاد مع كل موسم يعمها جفاف جديد سنة بعد سنة ، وقدرة الدولة تتآكل وتضعف يوما بعد يوم وسنة بعد سنة.  لحظات الانهيار التام وظهور دول اخرى • بناء على المعطيات السابقة نلاحظ انه بحلول حوالي عام 350م، كانت مروي قد فقدت معظم عناصر قوتها ومجدها وازدهارها وعظمتها وقد تجسد ذلك الانهيار في وجود في عدة عوامل ظواهرها واعراضها ،سلطة سياسية ضعيفة، اقتصاد متآكل ، بيئة تصحر وجفاف قاسية، وضغط عسكري عنيف متواصل من قبل قوى صاعدة ذات اهداف ورؤية واستراتيجية لا تكل ولا تمل في سبيل بلوغ اهدافها . وفي نهاية المطاف نستطيع ان نقول بان سقوط العاصمة لم يكن حدثاً مفاجئا بقدر ما كان ناتجاً عن تسلسل طبيعي لطائفة من عوامل الضعف تجسدت في مسار طويل من مظاهر التآكل. وبالرغم من ذلك فان سقوط مروي لا يعني بحال من الاحوال نهاية الوجود النوبي او انقراضه بل كان بداية مرحلة جديدة. • حيث نلاحظ من تحت انقاض المملكة التي انهارت واحترقت ، فمن بين رمادها ومن تحت انقاضها ظهرت ممالك أخرى — نوباتيا، المقرة، وعلوة — والتي حملت الشعلة من جديد بطريقتها واساليبها ورؤاها ورسالتها الخاصة.  الخاتمة • حين نعيد النظر باعادة قراءة تاريخ تلك المملكة وننظر اليها بعين بصيرة فاحصة ومتأملة اليوم، لا ينبغي ان نعده مجرد حدث تاريخي، بل هو في الواقع تاريخ عظيم يجسد قصة إنسانية كاملة الاركان والابعاد فهو حدث عظيم ، وقصة شعب عظيم باني حضارة عظيمة في ماضينا التليد . وهو تاريخ يروي قصة شعب عنيد وقوي ومبدع ومتفوق على ذاته حاول بمهنية وباقتدار أن يتكيف مع الطبيعة، وأن يحافظ على دولته، ويبني حضارة ويسابق الزمن ،وأن يواجه القوى الصاعدة حوله. فهو تاريخ يحكي فصول قصة حضارة قاومت كل التحديات لاكثر من ستمائة عام وظلت شامخة حتى اللحظة الأخيرة من لفظ انفاسها . وفي نهاية المطاف لم تمت ولم تنطفئ جذةتها المتقدة حتى سلّمت الراية لجيل جديد. وهكذا التاريخ وهكذا التحولات التاريخية ومساراتها ،فالتاريخ لا يموت بل يتحوّل. وما ان تسقط حضارة حتى تبرز حضارة اخرى لتملأ الفراغ ، تختلف عنها شكلاً وموضوعاً ورؤية ورسالة واستراتيجية تضمن لها البقاء والاستمرارية الى ان يصيبها ما اصابها سالفتها من ضعف فتبرز قوة اخرى تحمل الراية وهكذا دواليك

11 Jan 2025